لسان الدين ابن الخطيب

158

الإحاطة في أخبار غرناطة

المراتب ، وتتبين الأصدقاء والأجانب ، فينصرف هذا ، وحظّه التهريب ، والنظر الحديد ، وينفصل هذا وبين يديه المنذر الصّيت والنعش الجديد . ثم يغشى دار الميت ويسأل عن الكيت والكيت ، ويقول : عليّ بما في البيت . أين دعاء الثّاغية والرّاغية ؟ أين عقود الأملاد بالبادية ؟ وقد كانت لهذا الرجل حالا في حال . وقد ذكر في الأسماء الخمسة فقيل : ذو مال . وعيون الأعوام ترنو من عل ، وأعناقهم تشرئبّ إلى خلف الكلل ، وأرجلهم تدبّ إلى الأسفاط دبيب الصّقور إلى الحجل . والموتى قد وجبت منهم الجنوب ، وحضر الموروث والمكسوب ، وقيّد المطعوم والمشروب . وعدّت الصحاح ، ووزنت الأرطال وكيلت الأقداح . والشّهود يغلظون على الورثة في الأليّة ، ويصونهم بالبتات في النشأة الأوّلية . والروائح حين تفعم الأرض طيبا ، وتهدي الأرواح شذا يفعل في إزعاجها على الأبدان فعلا عجيبا . والدلّال يقول : هذا مفتاح الباب ، والسّمسار يصيح : قام النّدا فما تنتظرون بالثبات ؟ والشّاهد يصيح فتعلو صيحته ، والمشرف يشرب فتسقط سبحته . والمحتضر يهسّ ألا حيّ فلا تسمعون ، ويباهي لون العباء عليه الجواب رب أرجعون . ما هذا النّشيج والضّجيج ؟ متّ كلا لم أمت . ومن حجّ له الحجيج ، فترتفع له الأصوات ، كي لا يفسح فيه الممات . ويبقر بطنه برغمه ، ويحفر له بجانب أبيه وبحذا أمّه . ثم يشرع في نفسه الفرض ، ولو أكفئت السماوات على الأرض . ويقال لأهل السّهام : أحسنوا ، فالإحسان ثالث مراتب الإسلام ، وقد نصّ ابن القاسم على أجرة القسّام . وسوّغه أصبغ وسحنون ، ولم يختلف فيه مطّرف وابن الماجشون . إن قيل إيصال الحقائق إلى أرجائها ، حسن فجزاء الإحسان إحسان ، وقيل إخراج النّسب والكسور كفاية ، فللكاهنين حلوان . اللهمّ غفرا ، ونستقيل اللّه من انبساط يجرّ غدرا ، ونسأل اللّه حمدا يوجب المزيد من نعمائه وشكرا . ولولا أن أغفل عن الخصم ، وأثقل رحل الفقيه أبي النجم ، لأستغلّن المجلس شرحا ، ولكان لنا في بحر المباسطة سبح ، ولأفضنا في ذكر الوارث والورّاث ، وبيّنّا العلّة في أقسام الشهود مع المشتغل بنسبة الذكور مع الإناث . واللّه يصل عزّ أخي ومجده ، ويهب له قوة تخصّه بالفائدة وجدّه ، ويزيده بصيرة يتّبع بها الحقوق إلى أقصاها ، وبصرا لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلّا أحصاها ، ودام يحصي الخراريب والفلوس والأطمار ، ويملأ الطّوامر بأقلامه البديعة الصّنعة ، ويصل الطّومار بالطّومار والسلام . والشيء بالشيء يذكر ، قلت : ومن أظرف ما وقعت عليه في هذا المعنى ، قال بعض كتاب الدولة الحكمية « 1 » بمنورقة ، وقد ولّاه خطّة المواريث ، وكتب إليه راغبا

--> ( 1 ) هي دولة أبي عثمان سعيد بن حكم بن عمر بن حكم القرشي الذي ضبط منورقة وأقام عليها -